الرؤية الفكرية للحزب

خميس, 08/01/2015 - 13:43

التجمع الوطني للإصلاح والتنمية

(تواصـل)

الــرؤية الفكرية

 

(إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)

تمهيـد:

  جاء ميلاد التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) في 20 رجب 1428 هجرية، الموافق الثالث من أغشت 2007، تتويجا لمسيرة حافلة من التضحيات والنضال السياسي المدني، ليمنحه ذلك شرعية قانونية حُرم منها منتسبوه لعقود إلى جانب شرعيته التاريخية باعتباره امتداد طبيعيا بحكم المنطلقات والمواقف والخيارات لحركات الإصلاح والتجديد التي عَرَفتها مسيرة هذا الشعب؛ من لدن حركة المرابطين بقيادة الفقيه المجاهد عبد الله بن ياسين وإخوانه، وحركة الموحدين، وحركة بني مرين، مرورا بالدعوات الإصلاحية خلال القرن الحادي عشر الهجري، وانتهاء بالجهود الفردية التي رَفَدَتْ ذاتَ المنحى الإصلاحي لأئمة مجاهدين وعلماء عاملين جاءوا من بعدهم أثروا الساحة الثقافية والعلمية في الداخل والخارج.

   ذلك أن "تواصل" ينظر لتراث الأمة وإرث علمائها وقادتها ومصلحيها بعين التقدير والاعتبار، ومنطقِ التواصل والاسترشاد، فهو جزء لا يتجزأ من مجتمعه وثمرةٌ من ثمار حِراكه الداخلي الحي، وإفصاحٌ حقيقي عن هُويته الحضارية بكل أبعادها وتجلياتها.. يحمل همومَه، ويترجم مطامحَه وتطلعاتِه. هو ينشد الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، مستجيبا لمتطلبات الحاضر وتحديات المستقبل، على هدى من عقيدة الإسلام وشِرْعَته. لا يقبل تفريطا في الأصول والكليات، ولا يداهن في الثوابت والمبادئ ، يعتمد الاجتهاد سبيلا للتجديد ويؤمن بالتدرج والمرحلية.

 

معالم رؤيتنا الفكرية:

 

  صاحَبَ بروزَ الوعي الإسلامي الحديث حِراكٌ فكري وثقافي واسع جاء استجابة واعية لرفع تحديات داخلية وأخرى خارجية أنتجت مدارس وتيارات فكرية وثقافية تباينت في اجتهاداتها ورؤاها ومشاريعها النهضوية حيال تشخيص واقع التخلف الذي لحق بالأمة كما تباينت في تلمس أسباب الخروج منه و سبيلا لاستعادة الشهود الحضاري .

  وخروجا من حالة التداخل والالتباس الفكري، وقياما بواجب "البيان": تأتي هذه الرؤية الاجتهادية الموجه والمحددة للخطاب الفكري لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية على النحو التالي:

 

 

أولا: الإسلام مرجعيتنـا

 

  الإسلام هو  الدين الكامل الذي أراد الله الحكيم الخبير أن يتوِّجَ به رسالاته ، وقد ختم رسله  بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم: " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ").

وقد كان من مقتضيات ذلك التتويج: أن اتصف هذا الدين بالسمو مهيمنا على ما سواه من الشرائع والأديان. ومما ميز الإسلام بهذا الخصوص:

- أنه رسالة إلى الناس كافة ("وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" )، وهذا ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً) (البخاري).

 ومقتضى ذلك أن البشريةَ - كلَّ البشرية - مَعْنِيَةٌ برسالة الإسلام ومخاطبةٌ به، فمن لم يتخذه دونا دون سواه، ولم يؤمن برسوله نبيا: كان ضالا عن الدين الحق " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ".

- وأنه دين شامل ونظام كامل، لم يترك جانبا من جوانب الحياة إلا ضَبَطَه " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ") ؛ فهو: (دين ودولة)، و(عقيدة وشريعة).

   وهكذا بَسَطَ الإسلامُ أحكامه على كل الدوائر الأساسية في الحياة الإنسانية فلم تَستغرِقْها دُفعةً أيُّ شريعة من الشرائع السماوية أو الوضعية سواه .

  وقد من الله علينا بالهداية لهذا الدين والتوفيق له، وكرم شعبنا بشرف الانتساب إليه،  والتمسك به والحرص عليه وانطلاقا من ذلك، وانسجاما مع إيمان شعبنا واعتزازه بهويته، واستئناسا بدستور البلاد الذي راعى تلك السجية ورسخها بالنص على الإسلام دينا للدولة والشعب ومصدرا وحيدا للتشريع: فإننا فى حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية نؤكد  تمسكنا بالإسلام ممثلا في مصادره الأساسية: (القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وإجماع الأمة، والقياس الجلي واجتهاد العلماء المؤسس على هذه الأصول)؛ باعتباره  دينا وهوية، ونتشبث به منطلقا ومرجعية . 

وحتى يفهم هذا المبدأ ويتجلى مضمونه: نُوجزه في النقاط التالية:

الإيمانُ بالإسلام عقيدةً وشريعة ومنهجَ حياة

الالتزامُ بأحكامه أمرا ونهيا، وتجسيدُه قولا وممارسة

اعتبارُه معيارَ التفاضل وأساسَ الوحدة والسندَ الأول للأُخُوَّة .

السعي الجاد لتحكيم الشريعة الإسلامية وترسيخ مبدأ سيادة الشرع.

 

ثانيا: التقوى معيارنـا

 

   إنها وصية الله للناس أجمعين: ("وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ").

كما هي وصية أنبيائه الكرام: ("كذّبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون"، "وإذ نادى ربك موسى أن ايتِ القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون" ).

   والتقوى في أقرب معانيها: هي حالة روحية قوامها الاستشعار الدائم بمراقبة الله في السر والعلانية ("يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور") . والتقوى من جهة أخرى حالة تربوية تعمل على صون الذات ونموها والاجتهاد في السير على الطريق القويم بأقصى المستطاع.

  والتقوى هي أساس التفاضل، وبذاك تأخذ بعدها فى عقيدتنا وتعاملنا ؛ فنحن نؤمن بأن الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم خلق من خلق الله خلقهم من نفس واحدة وجعل اختلافهم آية للعالمين، ونعتبر التنوع القبلي والعرقي وسيلة للتعارف والتكامل ونرفض جعله وسيلة للظلم والتفرقة والفساد في الأرض، ونرفض التمايز الطبقي المبنى على الحرف والمهن قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . وكلما كانت العلاقات بين الإخوة في الحزب مبنية على الأسس الإسلامية الراشدة كان ذالك أدعى لقوة أواصر الوحدة والتماسك والبعد عن المطامع الشخصية والحسابات الضيقة ، وكان الإيثار ونكران الذات هو السمة الغالبة.

   ونحن نحتاج إلى التقوى ونحتاج إلى التأمل في معانيها السامية وتطبيقاتها الرائعة قديما وحديثا حتى لا ننسى في غمرة تعاملنا اليومي الأصول الإسلامية التي منها ننطلق وإليها نحتكم، ومن مقتضياتها نقوِّم سلوكنا ومنهجنا فى العلم والعمل.

   نعتبر أن مدارس التربية الروحية وتزكية النفوس المنضبطة بضوابط الكتاب والسنة  تستحق التقدير والتفعيل والتعزيز في إصلاح المجتمع.

   وفي بلد كموريتانيا يكون من المهم التأكيد على التلاحم والترابط الاجتماعي سبيلا إلى الوحدة الوطنية.

ثالثاً: الوسطية منهجنـا

  الوسطية مقصد شرعي ومبدأ أخلاقي أصيل تقوم عليها جميع مظاهر الحياة بمختلف أبعادها الروحية والمادية، بما يضمن التوازن والتكامل، فلا يطغى جانب على آخر، وهي منهج علمي وضابط عملي للفهم والممارسة؛ فبين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير والتساهل والتشدد ثمة دائما مقام محمود هو الوسطية.

  وسطية بين الغلو والتقصير تتسم بالتيسير لا التعسير والرفق لا العنف والتبشير لا التنفير توازن بين المصالح والمفاسد وتدفع أكبر المفسدتين بارتكاب أخفهما وتفوت أدنى المصلحتين لتحصيل كبراهما وتلتزم بفهم الواقع قبل تنزيل الحكم عليه وتعتبر المآلات والمقاصد الشرعية وتؤمن بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعوائد والنيات كل ذلك دونما تفريط في الثوابت أو تساهل في المبادئ، وإنما هو التسديد والمقاربة والحكمة والتروي وتقدير الظروف والأحوال.

  ونعتبر أن الاستقامة على أوامر الله واجتناب نواهيه هي أفضل وسائل التقدم والازدهار قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

  ونحن في التجمع الوطني للوطني للإصلاح والتنمية ندعو إلى التعاون على إشاعة فقه إدارة الخلاف، وندعوا إلى تعزيز المشترك بالعمل معا فيه وفق القاعدة الذهبية: ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه).

رابعاً: الشورى أساس حُكمنا

  قضية الحكم من أبرز الجوانب التي عني بها الإسلام واهتم بها حيث جعل من الشورى مرتكز نظامه السياسي، وألزم الجميع بممارستها حاكما ومحكوما قال تعالى: "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين"، وقال تعالى: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون"، وقال تعالى: "إن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما".

الشورى في الإسلام منهج في الحياة وطريقة في الحكم وفلسفة شاملة .

  والشورى في فهمنا فريضة ملزمة ابتداء وانتهاء لا تترك لرغبة الحاكم وتقديره الشخصي.

  ونحن في التجمع الوطني للإصلاح والتنمية نرى أن الديمقراطية كآلية بما تتيحه من حرية في الرأي وتعددية سياسية وتداول سلمي وفصل بين السلطات تعتبر إطارا عمليا لتطبيقات الشورى في مجال السياسة والحكم.

 

خامساً: الإصلاح هدفنا

 

الإصلاح مقصد الرسالات السماوية ومهمة الرسل ـ عليهم السلام ـ من لدن نوح-عليه السلام  إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: "إنْ أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلتُ وإليه أنيب" ، فقد أرسل الله سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ بالحنيفية السمحة ليهدي أمم العالم الحائرة إلى الإيمان الصافي بعدما اجتالتها الشياطين عن عبادة الواحد الأحد، قال الله تعالى : ( "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ") وجاء موسى ـ عليه السلام ـ يدعو إلى عبادة الله وحده ويحمل رسالة تحرير المستضعفين من الطغيان السياسي الذي جسّده فرعون في أبشع صورة، ونهض لوط ـ عليه السلام ـ بمهمة إصلاح المجتمع وتحصينه في وجه الفساد الأخلاقي والانحراف عن الفطرة الإنسانية السوية، وتصدى شعيب ـ عليه السلام ـ لمسؤولية إصلاح وتقويم الفساد الاقتصادي ، وجاء محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإصلاح الشامل.

   ومفهوم الإصلاح الشامل عندنا يعني إعادة التشكيل للمفاصل الأساسية بدءاً بصياغة الفرد الصالح وانتهاء ببناء الدولة التي تسير على منهاج النبي صلى الله عليه في حراسة الدين وسياسة الدنيا به خدمة للمجتمع في مختلف المجالات والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والقضائية.

   والتجمع الوطني للإصلاح والتنمية يؤمن إيماناً راسخاً بأن الإصلاح هو قوام بقاء المجتمع ودليل خيريته وضمان استقراره واستمرار نمائه وفاعليته الاجتماعية، وهو شرط التمكين ووراثة الأرض، "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ".

  والصلاح الفردي أساس الإصلاح الجماعي ولا ينفك عنه إذ لا إصلاح بغير صلاح.

   إن عواقب القعود عن الإصلاح والركون إلى الإفساد وعدم الأخذ على أيد الظالمين مدمرة ماحقة على الفرد والمجتمع، حيث تصيب بشررها الصالح والطالح، ("واتّقوا فتنةً لا تُصيبنّ الّذين ظلموا منكمْ خاصّة واعلمُواْ أنّ الله شديدُ العقاب").

  وقد توعدت السنة المبطئين والقاعدين عن الإصلاح حيث قال صلى الله عليه وسلم "واللهِ لتأمُرُنّ بالمعروف ولتَنهَـوُنّ عن المنكر ولتأخُذُنّ على يد الظالم ولتأطُرُنّه على الحق أطراً و لتقصُرنه على الحق قَصراً أو ليضربنّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننّـكم كما لعنهم".

    ومن هنا فإن التجمع الوطني للإصلاح والتنمية يرى لزاما عليه أن يسعى إلى محاربة المنكر وتقليله والدعوة إلى المعروف وتكثيره.

 

سادساً: التنمية الشاملة خيارنا

يكتسب النشط الاقتصادي في الإسلام طابعاً تعبدياً إذ التعبد بمعناه الواسع الذي يتضمن كل تصرفات الفرد المسلم وعلى رأسها عمارة الأرض التي اعتبرها الإسلام هدفا ساميا قال الله تعالى: "هو أنشأكُم منَ الأرض واستعمرَكُم فيها".[1]

وذلك تحقيقاً للحياة الطيبة للمجتمع ولتمام الرشد في استغلال الموارد والكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع، وتمكيناً لهذا المقصد الرباني العظيم سخر الله للإنسان الكون وهيأ له أسباب الإعمار ومكنه من أدواته ووسائله، ("وسخّرَ لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه")[2]،

( "ولقد مكّنّاكم في الأرض وجعَلْنا لكم فيها معايشَ قليلاً ما تشكُرون")[3]، وبموازاة ذلك وضع الإٍسلام ضوابط محكمة لممارسة النشاط الاقتصادي،فحرم الربا وأعلن حربا على المرابيين قال الله تعالى: ( ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا ... إلى قوله تعالى: "يمحق الله الربا ويربي الصدقات"، وجعل من المنافسة العادلة والحرية المقيدة بإنتاج الطيبات موجها ناظماً للسوق الإسلامية إلى جانب حرية التملك واعتماد العمليات المالية على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة كما حث أتباعه على تطهير السوق من المنكرات الاقتصادية الأخرى كالاحتكار والغش والاكتناز والإسراف وغيرها مما يؤثر على توازن مؤشرات الاقتصاد ومكونات المجتمع من أغنياء وفقراء، ودعا الميسورين إلى البذل ورغّبهم في الإنفاق والصدقات توطيداً لعرى التكافل الاجتماعي وقضاءً على أسباب التفاوت الفاحش في مستويات المعيشة والدخول، ولم يَكِلْ هذا البعد الاقتصادي الاجتماعي المهم لرغبات الميسورين وأمزجتهم، بل فرض الزكاة لصالح ذوي الدخل المحدود باعتبارها مصدراً أساسياً للتمويل ونظاماً محكما للتأمين والضمان الاجتماعي في الإسلام وأداة من أدوات الحث على الإنتاج وتوزيع الثروة وتداولها بين أفراد المجتمع .

ولم يغفل الإسلام ما للدولة من دور مهم بوصفها الموجه والمخطط والمكمل والمسؤول عن توفير وتنمية البنى الأساسية والمرافق العامة والمشروعات الإستراتيجية وخاصة تلك التي يحجم القطاع الخاص عن الولوج إليها، إضافة  إلى معالجة الأزمات وإعادة التوازن إلى الاختلالات الاقتصادية ومحاربة الفوارق التنموية بين الأقاليم المختلفة للدولة "يا ويح عمر"لو عثرت بغلة بالعراق لسُئل عنها عمر لمَ لمْ تمهّد لها الطريق".

   إننا في التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) نعتقد أن بلوغ هدف التنمية المتوازنة والتغلب على الهزات والاختلالات وصولاً إلى الاقلاع الاقتصادي الذي يؤسس لمجتمع الرفات المرغوب ("قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قلْ هي للّذين ءامَنُوا في الحياةِ الدُّنيا خالصة يومَ القيامة")[4] مرهون بانبثاق السياسة الاقتصادية الوطنية من مفاهيم الإسلام وتصوراته في هذا المجال، فقد وضع الأسس الكفيلة بتنظيم الحياة الاقتصادية وضمان ازدهارها ورفاهيتها، فتميز عن المذاهب الاقتصادية الوضعية بأنه شامل ومنضبط ومتوازن ينظر إلى جميع الجوانب الإنسانية ويؤخذ في اعتباره كافة الحاجات البشرية اقتصادية كانت أم اجتماعية في إطار تنموي شمولي وسيلته وغايته في آن هو الإنسان نفسه موفقاً بينها جميعاً بما يحقق الصالح العام.

 

 

سابعاً: الحرية مبدؤنـا

رغم ما عانته البشرية عبر تاريخها الطويل من ظلم وقهر على أيدي الحكام المستبدين، فقد بقيت الحرية حية في وجدانها، متجذرةً في ثقافتها، متأصلةً في وعيها وذاكرتها. وظلت فوق ذلك في مقدمة المطالب والإشكالات السياسية والحقوقية التي احتفى بها الفكر الإسلامي وسعى إلى تحرير محل النزاع فيها وتنقيتها مما علق بها من فهوم خاطئة وتصورات  مسبقة أرادت تشويه نصاعة الإسلام وسعةَ شريعته ومرونةَ أحكامه.

وإن تصورنا لمفهوم الحرية يقوم على مبادئ ثابتة وأُسُس متينة تستلهم الإسلام في نظرته الشمولية المتكاملة إلى الإنسان، وتُؤسِّس على تراث الإنسانية المشترك .

فهي تقوم أولا: على إيماننا بكرامة الإنسان، الذي خلقه الله حر الإرادة والاختيار واصطفاه ليكون خليفة في الأرض ، فكان من مقتضيات هذا التكليف أن اختصه بفضائل وامتيازات حَرَمَها غيرَه من المخلوقات، واعتبره أكرم الكائنات ("ولقد كرّمْنا بَنِي آدمَ وحملناهُم في البَرّ والبَحْرِ ورزقناهُم منَ الطيبات وفضّلناهم على كثير ممّـنْ خلقنا تفضيلا").

   وعلى هذا الأساس فقد أحيط مبدأ التكريم الإلهي ذاك بقواعد وضمانات تكفل للإنسان حرياته العامة والشخصية، وتجرم الاعتداء على النفس البشرية وحرمانها حقها في الحياة، وتجعل من المحافظة على حياة الإنسان ودينه وبدنِه وعقله ومالِه ـ وهي المقاصد الكلية ـ أمرا مقدساً لا يجوز المساس به حتى يَهتِك هو حرمةَ نفسه ويَنزَع الستر المضروب عليه (إنَّ دماءكم وأموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري و مسلم  

وهذه الكرامة هي الأساس المشترك الذي تقوم عليه العلاقات بين البشرية جمعاء.

   ومن هنا يبرز مفهوم الحرية المسؤولية الذي ندعو إليه، وهي الحرية المتزنة التي تُعلي من كرامة الإنسان وقيمته، وتكفل له كامل حقوقه دون أن تتحول إلى فوضى أو إباحية تُخل بالآداب العامة وتخدش الحياء، وتَعبَث بالسكينة والسلم الداخلي.

وهي تنطلق ثانيا: من تمسك الحزب بالمساواة التي تدور على قاعدة وحدة الأصل الإنساني، وتساوي البشر جميعا في الحقوق الإنسانية، (فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب)، لا تمايز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو المهنة أو الثروة أو المكانة الاجتماعية، مع الاعتراف بواقع التفاوت الفطري بين البشر فى المواهب والقدرات، وما ينجم عن ذلك من تفاوتهم علما وبذلا وأخلاقا ("أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ).

  والمرأة في الإسلام مخاطبة كالرجل بالإيمان والإسلام والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكل واحد منهما حقوق وواجبات متناسبة قال الله تعالى : ("ِللرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله") وأكرم الجنسين عند الله أتقاهم.

   ومع أن الإسلام قد أثبت للمرأة أهليتَها السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى جانب أهليتها التكليفية؛

   فلا تزال النظرة إليها والموقف منها فى العديد من مجتمعاتنا الإسلامية مشوبة بالكثير من الرواسب الاجتماعية الموروثة، والتي لا تعدو كونَها أعرافا وتقاليد أُلبست لبوسا دينيا لتصبح عائقا فى وجه محاولات تعليم المرأة ومشاركتها الكاملة في بناء مجتمعها ونمائه مع التزامها بقيمها وثوابتها.

 

   ومن الجوانب الأساسية التي هي مناط تحقيق الحرية والمساواة ما يتعلق بتجلية رؤيتنا وتوضيح موقفنا من ظاهرة الاسترقاق التي طالت شرائح وفئات مهمة من مختلف مكونات هذا الشعب المسلم وخلفت جروحا معنوية ونفسية غائرة ما يزال المتضررون من تلك الممارسة يعانون من آثارها وتبعاتها الاجتماعية مما شكل حاجزا نفسيا معيقا دون تحقيق المؤاخاة الحقيقية كما بشرت بها أحكام ديننا الإسلامي الحنيف؛ وانطلاقا من ذلك الواقع وتأسيسا على الرؤية الإسلامية الرافضة لاستعباد الناس بغير وجه حق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) رواه البخاري.

    ويرى التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) أن تلك الظاهرة قد اكتنفتها ممارسات مخالفةٌ لقواعد الشرع الإسلامي ومقاصده في الاحتياط للحرية وإحسان المعاملة  مما يدفع حتما لنبذها والتخلص منها تمهيدا لمصالحة وطنية شاملة تؤسس لمستقبل واعد على أرضية مشتركة تظللها المحبة والإخاء والتسامح والولاء المشترك للدين والوطن، بعيدا عن إثارة الإحَن والضغائن، حيث المجتمع المسلم هو المثال والقدوة في احترام حقوق البشر وتحقيق العدل بينهم ( يا أيها الناس إن ربكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) وقوله تعالى: ("إن أكرمكم عند الله أتقاكم").

 

 

 

ثامناً: العدل سبــيلنا

قال الله عز وجل: (إنّ الله يأمركُم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أنْ تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظُكم به إنّ اللهَ كان سميعاً بصيراً) فإرساء العدل بين الناس وتحريم الظلم من أهم مقاصد الإسلام وأهدافه العليا، فلم تعرف البشرية جمعاء دعوة إلى العدل كما عرفتها في الإسلام، فقد دعا الحق سبحانه وتعالى المسلمين إليه وأمرهم بالتزامه والاحتكام إليه في كل أمر من  أمورهم وفي كل شأن من شؤونهم، في الأحكام والأقوال والأفعال والأخلاق.

 

وتوعدت السنة أهل البغي بسوء العاقبة " فقد روى البخاري ومسلم من حديث معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "ما من عبدٍ يسترعيه الله عزّ وجلّ  رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة"، وفي رواية: "فلم يُحِطْها بنصحه لم يرح رائحة الجنة".

لقد كان الرعيل الأول الذي قاد المسلمين وتولى حكمهم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ مثلاً رائعاً وجيلاً قرآنياً متفرداً في التزامه العدلَ وسيره على هديه  صلى الله عليه وسلم لم يستثنوا من تطبيقهم العدالة في المجتمع شريفا لشرفه أو قوياً لقوته أو ذا رحمٍ لقرابته وإنما بلغ بهم الأمر أن أصبحوا موازين قسط وأوعية عدل فعطروا تاريخ العدل بخالد الذكر وماجد الأثر.

  والأمة التي تطمح أن تبني نفسها وأن تدعمَ وجودها وأن ينعم أهلها بالأمن والاستقرار لا بد أن تقيم حياتها على الحق دون الباطل وعلى العدل دون الجور، وعلى الحيدة والتجرد دون الممالأة والتحيز، وأوجب ما يجب أن يلتزم فيه ذلك هو ما يمس حياة الناس ومشكلاتهم من قريب وما يتصل بحقوقهم وواجباتهم وما يشجر بينهم من تنازع أو خلاف.

  والتجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) يعتقد أن الأمة التي لا يقدس فيها الحق ولا يحترم فيها الواجب ولا تستعلى فيها العدالة ولا ينتصف فيها للمظلوم من الظالم وللضعيف من القوي هي أمة مهددة في وجودها وكيانها كمن يقف على شفير الهاوية، ذلك أن العدل هو  باب السلام في المجتمع وعماد الأمن والاستقرار، ومن هنا كان سعينا الجاد إلى إقامة دولة الحق والعدل والقوة التي تنتصر للمستضعفين وتقيم مجتمع المتـقين المقسطين على سنن المصلحين شعارها قول الحق سبحانه وتعالى: ("وإنْ حكمت فاحكُم بينهم بالقسط إنّ الله يُحب المقسطين").[5]

    ونحن في التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) نرى أنه لا عدل بدون تحكيم الشرع.

 

 

تاسعاً: محددات هويتنا

لكل أمة أو شعب ثوابتُ كبرى ومبادئُ رئيسة وموجِّهَاتٌ هادية يَرجع إليها الفضل في تشكيل كيانه وصياغة السمات المميِّزة لشخصيته، يتبلور في إطارها الوجدان والضمير الجمعي للمجتمع، وتتشابك وشائج الرحم والقربى فيه مشكلة بذلك "هويته" الوطنية بأبعادها المختلفة .

    ويعتز التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) بهويته الوطنية التي هي نتاج تفاعل عضوي وانصهارٍ تاريخي وتلاقحٍ حضاري عميق بين مكوناتها الرئيسية التى ظل الإسلام أساسا لها وحاكما عليها بوصفه مرجعية عليا فوق ما سواه، يستقي منه المجتمع منظومتَه المعرفية وسُلَّم قِيَّمه وسلوكياتِه. فيما شَكلت لغةُ القرءان إضافة إلى اللغات الوطنية - البولارية والسوننكية والولفية - بقيةَ  مكونات تلك الهوية التي انطبعت بصماتُها واضحة في الملامح العامة لشعبنا الذي ظل متمسكا بـ:

أولا: الإسلام جامعا: وهو المكوِّن الأساسي للهوية الوطنية الذي وحَّد شعبَنا وانصهرت في بوتقته مختلف الأعراق والفئات والقبائل، فَصَيَّرَها خلقا جديدا.

   فكان عاملَ وحدة وتجانس وألفة شكل الأساسَ الركين للتعايش الذي طبع تاريخ شعبنا المسلم طوال الحقب الماضية.

   والمكون الثاني: من مكونات الهوية عندنا هو اللغة العربية: وقد أصبحت لغة إنسانية كونية منذ اختارها الله تعالى لتكون وعاء مباركا للرسالة الخاتِمَة، ولسانا مبيِّنا للذكر الحكيم، ("إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون"). فتوثقت بها علائق الوحدة والوئام بين الأمم والشعوب المختلفة التي اعتَنَقت الإسلام وتَمَثَّلت أحكامه، فاستَوعَبَت بحكم التطور والنضج الحاصل فيها مدنياتٍ مختلفةً، وورِثتْ حضاراتٍ متعددةً من انواكشوط  إلى جاكرتا، ومن غانة إلى فرغانة؛ استوعبتها جميعا وأضافت إليها بفضل الإسلام حضارة تالدة لا تزال آثارها شاهدة، لتبقى الحاضن الأمين لأشواق تلك الشعوب الروحيةِ إلى جانب إبداعاتها وعطاءاتها العلمية.

   هذا المكون المهم من مكونات هويتنا يتعرض منذ بعض الوقت لهجمة مشبوهة تستهدف اقتلاعه من الجذور ومحوَه من الوجود، والربطَ المستمر بينه وبين التردي والانهيار في الأوضاع التربوية بالبلدان الإسلامية التي تعتمد في منظوماتها التعليمية على لغة القرآن.

إن إعادة لغة القرءان لموقعها الطبيعي يتطلب جهودا حثيثة تقدمها للمجتمع بطريقة إسلامية أصيلة لا فرض فيها ولا  إلغاء.

والمكوِّن الثالث: من مكونات الهوية عندنا هو اللغات الوطنية الأخرى (البولارية، السونونكية، والولفية): وهي لغاتٍ أسلمت بإسلام أهلها لتصبح بذلك مكونا أصيلا من مكونات الهوية  فهي لغات مجموعات وطنية أسهم أبناؤها في تطوير الثقافة الإسلامية في البلد، وما تزال إلى اليوم حاضنا أمينا للثقافة الإسلامية المتجذرة في نسيجنا الاجتماعي،

   وهي إضافة إلى ذلك تمثل بعدا ثقافيا متفردا يعزِّز الانسجامَ والتكامل بين مختلف مكونات هويتنا.      

 

عاشراً: الأمة الإسلامية عمقنا

 

    في وقت أخذت فيه أمم الأرض وشعوبُها بالتكتل والاندماج  سياسيا واقتصاديا وعسكريا، بقيت أمة الإسلام أسيرةَ واقعها المتردي على مختلف الأصعدة، رغم ما تمتلكه من إمكانات ومقومات مادية وروحية ترشحها في المستقبل المنظور لتكون قطبا معادلا يعيد للساحة الدولية التوازن والاستقرار المفقودين جراء الأحادية القطبية والاستفراد بالقرار الدولي من قبل قوى الاستكبار العالمية والتي نجحت إلى حد كبير في استغلال وتوظيف مؤسسات المجتمع الدولي، بما يؤمِّن بالدرجة الأولى خدمة مصالحها السياسية والاقتصادية على حساب الحقوق والمصالح الحيوية للشعوب المظلومة المستضعفة.

   وإزاء هذا الوضع العالمي المختل، بات لزاما على الصفوة والنخبة الحاكمة في البلدان الإسلامية الارتقاءَ إلى مستوى التحديات الحضارية التي يفرضها الظرف والتعاطي بجد وإيجابية مع التطلعات المشروعة للشعوب المسلمة في الوحدة والتكامل الاقتصادي، حيث جمعت آصرة الدين ووحدة التاريخ المشترك تلك الشعوب وصهرتها عبر مسيرتها الطويلة ؛ فهي لا ترتبط بتراب الوطن المحلي ولا بلغة العرق أو اللون أو الجنس الذي تنتسب إليه أو بجنسية البلد الذي ولدت فيه فقط، بل ظلت العقيدة الإسلامية بمثابة الجنسية التي تجمعهم ، وظل انتسابهم إليها انتساب إخاءٍ وولاء، )وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون(.

   من غير أن يعني ذلك نفي الآخر المباين في المعتقد، والذي يجمعنا وإياه رباط الأخوة الإنسانية المشتركة.

   ونحن في التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، نعتبر استعادة الأمة لوحدتها ولحمتها مطلبا أصيلا من مطالبنا وهدفا كبيرا من أهدافها، ونعتبره كذلك فريضة شرعية إلى جانب كونه ضرورة سياسية واقتصادية دفاعية تستوجب من الجميع إعداد الطاقات وتربية الأجيال وتأهيلها وتهيئة أسباب القوة  الضرورية لذلك .

   وفي مسعانا ذاك نؤمن بضرورة التدرج والمرحلية، ونُثمِّن كل جهد إقليمي أو قاري يُبذَلُ في هذا الإطار ونعتبره لبنة مهمة وخطوة ضرورية على طريق استعادة الوحدة الشاملة .

  ومع أن الساحة الإسلامية قد عرفت محاولات للوحدة إلا أن نجاح هذه المحاولات يحتاج إلى وضوح الرؤية والأهداف ودقة التخطيط والإعداد وإلى الجدية والإرادة الحقيقية لتحقيقها واستحضار البعد الإسلامي كمقوم من مقومات أي مشروع وحدوي يراد له أن يكون النواة الصلبة لمشروع الوحدة الشاملة.

ونعتقد أن ما شهدته المنطقة في الآونة الأخيرة من تغييرات سياسية واجتماعية كبيرة وما رافق ذالك من صعود سياسي للتيارات والأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية الوسطية والتي كان همّ الوحدة من أخص مطالبها كل ذلك كفيل بتذليل أهم العقبات التي تعترض سبيل المزيد من التكامل والاندماج العربي الإسلامي علي طريق الوحدة الشاملة إذا ما تضافرت النيات الصادقة مع العمل الدؤوب وهو ما تنتظره الشعوب المسلمة من أولئك وأمثالهم من أبناء الأمة المخلصين.

 

حادي عشر: المحبة شعارنـا

ما أحوج العالم اليوم وقد غدا ساحة صراع مفتوحة، تطحنه الحروب والنزاعات، وتَفتِك به الأمراض والمجاعات، لا يَرحم قويُّه الضعيفَ ، ولا يُوَاسي غنيُّه الفقير؛ ما أحوجه إلى تفيئ ظلال المحبة الوارفة، وتَمَثُّلِ معاني الأخوة الدافئة، كما بشرت بها أحكام الإسلام السمحة، وجسدتها سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد سمعه أصحابه يناجي ربه "أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة".[6]

والأخوة في جوهرها رباط إيماني عميق ينبثق من التقوى ويرتكز على الاعتصام بحبل الله، إذ لا أخوة بدون إيمان ولا إيمان من دون أخوة، وفي غمرة المحبة في الله والأخوة فيه تذوب الخلافات الشخصية وتزول النعرات القبلية والفئوية والجهوية، وتلتحم القلوب وتتوحد الجهود نحو العمل والبناء "وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم" .

ونحن في التجمع الوطني للإصلاح والتنمية نسعى إلى إحياء هذا الخلق العظيم بغرس المحبة والمودة في النفوس، وتوطيد عرى الرحمة والرأفة في القلوب، "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".   

وإن هذه المحبة تدفعنا إلى حب الخير للإنسانية جمعاء، فنحرص على هداية غير المسلمين والشفقة عليهم ونقسط إلى الذين يحترمون منهم الإسلام ويسالمون أهله "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين". ونرى أن طبيعة العلاقة مع هؤلاء يجب أن يحكمها الحوار بالحكمة والإحسان، وأن تهدف إلى التفاهم والتعاون، فكلا الطرفين يمتلك ما ينفع الآخر ويحتاج إليه بعيدا عن منطق صدام الحضارات وصراع الثقافات.

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

 

[1]   هود / 60

[2]   الجاثية / 12

[3]  الأعراف / 9

[4]  الأعراف/ 38

[5]  المائدة/ 42.

[6]  رواه أحمد وأبو داوود والنسائي عن زيد أبن أرقم.